محمد بن علي الشوكاني

2145

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

فما بال قطع النخل أو تحريقها ؟ فكان في أنفس المؤمنين من ذلك شيء ، فنزلت يعني أن الله أذن لهم في قطعها ليزيدكم غيظا ، ويضاعف لكم حسرة إذا رأيتموهم يتحكمون في أموالكم كيف أحبوا ، ويتصرفون فيها كيف شاؤوا ، وقد صدر هذا ثم ذكر بعد ذلك ما لفظه ( 1 ) : وروي أن رجلين كانا يقطعان أحدهما العجوة ، والآخر اللون ، فسألهما رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فقال هذا : تركتها لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وقال هذا : قطعتها غيظا للكفار ، وقد استدل به على جواز الاجتهاد ، وعلى جوازه بحضرة الرسول - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - لأنهما بالاجتهاد فعلا ذلك . واحتج به ( 2 ) م يقول : كل مجتهد مصيب انتهى . وقد طولنا الكلام في السبب لتعلم أن الأحاديث الصحيحة قاضية بأن السبب غير المدعى ، وأن الآية خارجة عن محل النزاع ، وعندي أنها خارجة عن ذلك على كل وجه ، لن الآية كشفت عن أصل الأمر المشكوك فيه وهو الإباحة ، فليست على هذا دليلا على محل النزاع ، بل هي بمثابة قولك لرجلين قال : أحدهما نمت ، وقال الآخر استيقظت ، فقلت : لا حرج على كل واحد منكما رجوعا منك إلى استواء فعل النوم وتركه ، وأيضا إباحة أموال الكفار الخارجين عن الطاعة معلومة لكل واحد من المختلفين ولغيرهم من الصاحبة قبل هذه الواقعة ، فالقطع ليس بالاجتهاد ، ويشهد لصحة هذا قوله

--> ( 1 ) أي الزمخشري في الكشاف ( 6 / 76 - 77 ) ( 2 ) قال القرطبي في « الجامع لأحاك القرآن » ( 18 / 8 ) : قال الماواردي : إن في هذه الآية دليلا على أن كل مجتهد مصيب . وقاله الكيا الطبري في وإن كان الاجتهاد يبعد في مثله مع وجود النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - بين أظهرهم ، ولا شك أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - رأى ذلك وسكت ، فتلقوا الحكم من تقرير فقط . قال ابن العربي : وهذا باطل ، لأن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - كان معهم ، ولا اجتهاد مع حضور رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وإنما يدل على اجتهاد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فيما لم ينزل عليه أخذ بعموم الأذية للكفار ، ودخولا في الإذن للكل بما يقضي عليهم بالاجتياح والبوار ، وذلك قوله تعالى { وليخزي الفاسقين }